أبي منصور الماتريدي
527
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
مثل تلك التوبة من المسلم الذي نشأ على الإسلام ، حيث أوعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل ، والصلب ، وأنواع العذاب ، فقالوا : لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ [ الشعراء : 50 ] . وذكر عن أبي حنيفة - رحمه الله - في الساحرة : أنها لا تقتل مرة ، وذكر عنه مرة : أنها تقتل . وقال في الساحر بالقولين . فأما ما روى عنه فيه بالقتل بعمل السحر ، فهو على ما ذكرنا من قتله الناس بالسحر ؛ فهو كالساعى في الأرض بالفساد ، لا بعين « 1 » السحر . أو كفر بسحره بعد الإسلام ؛ فيقتل كالمرتد عن الإسلام . وما ذكر عنه : أنه لا يقتل ؛ فهو إذا لم يكن سحره سحر كفر ، ولا يسعى بالقتل في الأرض لم يقتل به . ثم قوله - في الساعي في الأرض بالفساد : إنه إذا تاب قبل أن يقدر عليه ، سقط عنه القتل ؛ فكذا الساحر . وأما الذي هو لأجل الكفر يلزم القتل قبل التوبة ، بعد القدرة عليه . وعلى هذا يخرج قوله في الساحرة أيضا . ففيما قال : إنها لا تقتل ؛ لما كان سحرها سحر كفر ، والنساء لا يقتلن للكفر . وفيما قال : يقتلن ؛ فلأنهن يقتلن للسعى في الأرض بالفساد كالرجل ، والله أعلم . وقال بعض الناس : لا تقبل توبة الساحر . وهو غلط . وأحقّ من يقبل توبته الساحر ؛ إذ هو أبلغ في تمييز ما هو حجة مما لا حجة . وهذا هو الأصل : أن المدّعى لشئ - على عهد الأنبياء - إذا استقبلهم بمثله الأنبياء - عليهم السلام - فهو أحق من يلزمهم الإيمان به ؛ لعلمهم بالحق منه . والعوامّ منهم لا يعرفون إلا ظاهر ما يلزمهم ، من تصديق الحجج ، والله أعلم . وقوله : وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ - في الدنيا - وَلا يَنْفَعُهُمْ في آخرتهم . وقوله : وَلَقَدْ عَلِمُوا . يعنى : اليهود في التوراة . وقوله : لَمَنِ اشْتَراهُ . يعنى : اختاره للسحر . وقيل : يتعلمون ما يضرهم في آخرتهم ، ولا ينفعهم إن علموه .
--> ( 1 ) في أ : بغير .